ادب و ثقافه

من شارعنا (2).. الحاج رمضان ” الخبز والتعفن “

بقلم ــ د/ احمد مسعود

بدأ الحاج رمضان حياته معدما تقريبا ، ليس من الصفر ولكن من تحت الصفر ، أخ من أحد عشرا أخ وأخت، وأب علي بابا الله يعمل يوما وينام عشره ، وأم تكدح في الشقق والعمارات المجاورة تكنس تارة وتخيط تارة وتقف في الولائم والمناسبات للمساعدة وتتلقي بعض المعونات في النهاية بجانب الأكل المتبقي من الحفل بدلا من أن يلقي في الزبالة كانت تأخذه الي الغابة التي تعيش في بيتها .
في تلك الغابة المزدحمة كان حتي الهواء لا يكفي القاطنين في ذلك البدروم الضيق ، تفتح ذهن رمضان أن الحياة مستحيلة ،وأن لقمة العيش لن تكون إلا بالحيلة والقتال والخديعة،فما أن اشتد عوده حتي أدرك أن ارض الله مهما تكن قاسية فلن تكون بقسوة هذا القبر ، ذهب رمضان ليبحث عن عمل وبطبيعة الحال لم يسأل عنه احد ، ربما من الأساس لم يلحظ انه اختفي .

عمل رمضان تقريبا في كل الأعمال التي يمكن تخيلها ،صبي ميكانيكي ، نجار ، مبلط ، حتي وجد نفسه في مخابز الخواجة سمعان ، شئ ما ربط كلاهما في خيط خفي لا يعرف احد علي وجه التحديد ما هو ، كانت بينهم علاقة مريبة غير مريحة ، حاول الكثيرون أن يسبروا أغوار هذه العلاقة إلا أنها ظلت صندوق محكم مغلق في قلب البحر ، كان رمضان وقتها شابا يقترب من العشرين من عمره ،وسيم قوي البنية برغم الهزال البادئ علية لسوء التغذية الواضح ، عينان تتقدان بذكاء فطري لامع ، سرعان ما أصبح رمضان الرجل الثاني في المخبز وأمين سر الخواجة سمعان ، حتي في البيت كان لا يدخل البيت إلا رمضان حتي لو الخواجة غير متواجد أو مسافر، كان رمضان يقوم بكل شئ وبكل الالتزامات تجاه زوجه الخواجة ، حتي تسربت رائحة نتنه عن علاقة ثلاثية بين رمضان والخواجة و زوجة الخواجة .

فجأة حل الموت ضيفا غريبا غير متوقع علي المخبز ، استيقظ الجميع علي خبر وفاة الخواجة نتيجة اختناق بغاز الانبوبه، جاء رد فعل رمضان غريبا لا يتوافق مع طبيعته الجامدة الباردة ، فقد شق جلبابه الجديد وحمل التراب ويلقيه علي رأسه وهو يصرخ أبويا مات ، أروح من بعدك فين يا با ، تعجب الجميع من رؤية رمضان في ذلك الحزن ،فالكل يعلم أن رمضان ذو قلب مات منذ أمد بعيد ، فقد مرضت أمه فرفض أن يساعدها حتي في ثمن الدواء وظلت تدعو عليه وهو يزجرها قائلا لها لا أنتي أمي ولا أعرفك يالا ياولية ياخدامة الشقق يازباله، ثم أمر العمال بطردها في الشارع في حادثة ظلت حكاية الشارع لمدة طويلة أيقظت تلك الذكريات النتنه القديمة عن سمعة ام رمضان لتلقي علي رمضان كرها أكثر نحو أسرته الخالدة في التعفن الفقير .

جاءت التحقيقات روتينيه سرعان ما انتهت بدون شبهات ،وما أن مر أسبوع حتي احتل رمضان مكان الخواجة في كل شئ حتي في البيت ، أصبح يسكن بصفه دائمة عند زوجة الخواجة ، وتجلت الحقيقة ثقيلة في صدور اهل الشارع،و واضحة كالشمس في عيونهم، أن رمضان قتل الخواجة بمساعدة زوجته ،الا أنه مع ارتفاع بنيان رمضان وثراءه واتساع قدراته لم يكن يستطيع احد ان يصرح بالحقيقة المتجلية .

أخذت حياة رمضان منحي أخر لم يتوان عن فعل اي شئ فيه جلب نقود لا وجود لميزان الحلال والحرام عنده ، الحلال هو ما يجلب النقود، والحرام هو الفقر ،الشبح الذي يسكن قلبه ليثير فيه الرعب المجنون ، بيع الخبز والدقيق المدعم في السوق السوداء ، شراء ورث اليتامى بأثمان بخسه ،إقراض بالربا ، تجارة مخدرات ، كان يفعل اي شئ ليصم صوت النقود اذنه عن اي شئ اخر
أصبح البناء جاهز ،فقط يحتاج للتزيين ، قرر المعلم رمضان ان يذهب للحج ، ذات صباح أخبر عمال المخبز أن إبراهيم عليه السلام جاءه في المنام ويدعوه للحج والعمرة ، وهو لا يستطيع إلا أن يلبي نداء الأنبياء والرسل لذلك فانه سيحج هذا العام وسرعان ما تزين بيت الفجور بصورة الكعبة والطائرة وآيات الحج وسخرية الشارع المنكرة .

بدأت النفس في التكبر ونسيان المنبت ، وتذكر أن الماضي مازالت به أشياء متعلقة لابد وان تختفي .
اختفت زوجة الخواجة ، استيقظ الشارع علي الشرطة تحقق في اختفاء السيدة الارمنية نتيجة البلاغ الذي تقدم به الحاج رمضان، وظهرت وثيقة زواج مدينة حديثة تثبت زواج رمضان منها ، وكما انتهت التحقيقات الأولي ، انتهت أيضا تلك التحقيقات إلي لا شئ ، بدأ الحج رمضان في رحلة البحث عن عروس ، لابد وان تكون بنت أصل ، من عائلة معروفه وثرية كي تكمل الأحجار المفقودة في البناء العاهر ، طرق كل أبواب العائلات العريقة في شارعنا والشوارع المجاورة ، إلا أن طلبه دائما قوبل بالرفض ، فالكل يعلم المصدر الخبيث للثمرة الناضجة ،والمال لا يخفي الأصل المفقود ، كان يحدث نفسه كل يوم ماذا يريدون أولاد العاهرات هل يتصنعون الشرف علي قفاي ؟؟ إنا اعرف فضائحهم وعهرهم ولولا نقودهم لكانوا أكثر الناس فضيحة في الشارع .

ظل الرفض وطال الإلحاح حتي كان اليوم الذي سمعنا زغاريد في بيت الأستاذ فتحي ناظر المدرسة الابتدائية ، فقد تزوجت ابنته من الحاج رمضان ،أسره فقيرة من أصل عريق ،وافق الأستاذ فتحي لأنها زيجة لن تكلفة شئ ولن يغرم فيها مليما ، وربما أغدق عليه الحاج رمضان ببضعة نفحات ،لم يلتفت الأستاذ فتحي الي تعلق ابنته بالأستاذ رجائي جارهم في الشقة المقابلة ، كان في قراره نفسه يعلم أن الأستاذ رجائي شاب صالح ولكنه مدقع في الفقر، ستخرج ابنته من نقره لتقع في الدحديره ، ولكنها مع الحاج رمضان ستغرق في النعيم ، واللعنة كل اللعنة علي الأصول ، ماذا قدمت لنا الأصول والعائلات غير الفقر وتركنا للجوع والاحتياج ،أقام الحاج رمضان فرح لمدة أسبوع، أكل الشارع حتي شبع وشاهد مشايخ لم يكن يحلم يوما أن تمر بجانب شارعنا .

أنجب الحاج رمضان ثلاثة أبناء ذكور إلا أن واحدا منهم كان معتوه ، وذات صباح وبينما المعلم رمضان في المخبز، سمع المعلم هرج ومرج ناحية البيت النجس، هرع يجري كالمجنون ناحية البيت يزيح الناس عن طريقه والناس تمسك به تطالبه بأن يوحد الله ، والبقاء لله ، كان كالمجنون سب الدين لكل الناس وضربهم وفي النهاية نجح في دخول البيت ليجد زوجته وابنائه ما عدا المعتوه وقد اختنقوا بغاز الانبوبه ، لأنه نسي القهوة علي البوتاجاز ، صرخ حتي ابتلع صوته بأنه القاتل الحقيقي ، لم يفهم الناس القاتل الحقيقي لأبنائه ام القاتل الحقيقي للماضي القريب .

ظن الجميع ان هذا الحادث سيهد البنيان ويقوض إطرافه ، لكن ما حدث كان العكس ، جن جنون رمضان ، كان كلما سمع كلمة حج رمضان يشخر بعمق ويقول ماذا فعل لنا صاحب الحج إلا انه قتل أبنائي ، تزوج عشرات المرات ولم ينجب ، واقتربت الشكوك المنتقمة من اليقين وان رمضان لا ينجب وأبنائه أبناء حرام .

أصبح المخبز مصدرا للذكريات المتوحشة المورقة للنفس ، والجلوس فيه يعرضك لطعنات العيون الخرساء ، عيون شامته متهمه محتقره ، وشائعات ضعيفة أصبحت همس بين الصدور الحاقدة، لقد تسلسل النمل الأبيض للبنيان في لحظة الحزن المجنون .
باع الحاج رمضان البيت والمخبز واخذ ابنه المعتوه واختفي من شارعنا ،للأبد .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *